في كل بيئة عمل، مهما بلغت درجة احترافيتها، قد تظهر مع مرور الوقت مجموعات متقاربة في الأفكار أو العلاقات أو أساليب العمل. يبدأ الأمر غالباً بتقارب طبيعي بين أشخاص تجمعهم الخبرة أو التخصص أو حتى الصداقة، ثم يتحول أحياناً إلى تحزبات غير معلنة، يصبح فيها الانتماء إلى المجموعة أهم من جودة الفكرة، ويغدو الاختلاف مع الفريق الآخر وكأنه خلاف شخصي لا مهني.
المشكلة ليست في وجود العلاقات الجيدة بين الزملاء، فالعلاقات الإنسانية جزء مهم من نجاح أي مؤسسة، وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول هذه العلاقات إلى اصطفافات تؤثر في العدالة، أو تعطل التعاون، أو تجعل الموظف يشعر بأنه مضطر لاختيار طرف على حساب آخر.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يجب على الإنسان أن ينتمي إلى أحد هذه التحزبات حتى ينجح؟
في الحقيقة، الإجابة هي: لا.
بل إن من أكثر الشخصيات تأثيراً في بيئة العمل هي تلك التي استطاعت أن تبقى في المنتصف، لا بمعنى التردد أو ضعف الشخصية، وإنما بمعنى الحياد الواعي، والموضوعية، والقدرة على التعامل مع الجميع بالاحترام نفسه.
ما هو الحياد الحقيقي؟
الحياد ليس أن توافق الجميع، وليس أن تتخلى عن مبادئك حتى ترضي جميع الأطراف، وإنما أن تجعل قناعاتك نابعة من الحقائق لا من الأشخاص، وأن يكون ولاؤك للعمل والقيم المهنية قبل ولائك للأفراد.
الموظف المتزن يدرك أن الأشخاص يتغيرون، والمناصب تتبدل، أما السمعة المهنية فتبقى سنوات طويلة. لذلك لا يسمح للعواطف أو العلاقات أن تجعله جزءاً من نزاع لا يخدم أهداف المؤسسة.
ومن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في بيئة العمل أن يضع حدوداً واضحة في علاقاته:
- يحترم الجميع، ويقدر الجميع، ويستمع للجميع.
- لا يسمح لأحد بأن يحتكر تفكيره أو يفرض عليه موقفاً لا يقتنع به.
- ينظر إلى الأفكار بمعزل عن أصحابها، وهذه مهارة نادرة.
فقد تجد في كل مجموعة نقاط قوة تستحق التعلم منها، كما قد تجد فيها أخطاء يجب تجنبها. الإنسان الحكيم لا يرفض الفائدة لأنها جاءت من شخص يختلف معه، ولا يقبل الخطأ لأنه صدر من شخص قريب منه.
شجاعة الوقوف في المنتصف
فالحياد لا يعني أن تكون بلا رأي، بل يعني أن يكون رأيك مستقلاً.
وقد يظن البعض أن البقاء في المنتصف يجعل صاحبه ضعيف الشخصية أو غير قادر على اتخاذ موقف، بينما الحقيقة عكس ذلك تماماً. فالوقوف بعيداً عن التحزبات يحتاج إلى شجاعة أكبر من الانضمام إليها؛ لأن الضغوط الاجتماعية قد تدفع الإنسان إلى اختيار فريق حتى يشعر بالانتماء أو الأمان.
لكن الشخصية الناضجة تعرف أن الاحترام الحقيقي لا يُكتسب بالانضمام إلى مجموعة، وإنما بالمصداقية والثبات والعدالة.
ومن الجميل أيضاً أن يتحول هذا الشخص إلى حلقة وصل بين الجميع. فإذا اختلفت الآراء، سعى إلى تقريب وجهات النظر. وإذا احتدم النقاش، أعاد التركيز على الهدف الأساسي وهو نجاح العمل، لا انتصار الأشخاص. فهو لا ينقل الكلام بين الزملاء، ولا يؤجج الخلافات، ولا يستمتع بإشعال النزاعات، بل يكون مصدر تهدئة واتزان.الميزان الحقيقي للعدل
وهذا الدور، وإن بدا بسيطاً، إلا أنه يصنع أثراً كبيراً داخل المؤسسة. فالفرق الناجحة لا تُبنى على كثرة المؤيدين لهذا الطرف أو ذاك، وإنما تُبنى على تعاون الجميع رغم اختلافاتهم.
ومن المهم أن يقتنع الموظف بأن اختلاف الآراء أمر صحي، أما تحويل الاختلاف إلى عداوة فهو ما يضر بيئة العمل. ليس المطلوب أن يحب الجميع بعضهم البعض، فهذا أمر خارج عن السيطرة، ولكن المطلوب أن يحترم الجميع بعضهم البعض، وأن يتعاونوا لتحقيق الأهداف المشتركة.
ومن أجمل المبادئ التي يمكن للإنسان أن يحملها في حياته المهنية:
- أن يكون قريباً من الجميع، دون أن يكون تابعاً لأحد.
- يصادق الجميع، لكنه لا يتحيز لأحد.
- ينصف الجميع، لكنه لا يجامل على حساب الحق.
- يحترم الجميع، لكنه لا يتنازل عن قناعاته.
وعندما يرى نجاحاً يصفق له مهما كان صاحبه، وعندما يرى خطأً يرفضه مهما كان مرتكبه. هذا هو الميزان الحقيقي للعدل.شور أخير قبل الاصطفاف
مع مرور السنوات، يكتشف الإنسان أن التحزبات مؤقتة، وأن الأشخاص قد يتغيرون، أما السمعة المهنية المبنية على النزاهة والإنصاف فتبقى رصيداً لا يقدر بثمن. فالناس ينسون كثيراً من المواقف، لكنهم لا ينسون الشخص الذي كان عادلاً عندما انحاز الآخرون، ولا ينسون من جمع القلوب عندما كان غيره يفرقها.
وفي النهاية:
- لا تجعل ولاءك للأشخاص أكبر من ولائك للمبادئ.
- لا تجعل اختلاف الآراء سبباً لقطع الاحترام.
- لا تسمح للتحزبات أن تسلبك استقلاليتك.
كن صاحب قناعة، لا تابعاً. وكن صاحب رسالة، لا جزءاً من صراع. واجعل حضورك في أي فريق إضافةً للعمل، لا زيادةً في الانقسام.
ففي زمن كثرت فيه الاصطفافات، يبقى أعظم الناس أثراً هو ذلك الإنسان الذي استطاع أن يكون جسراً يربط بين الجميع, لا جداراً يفصل بينهم.
