هناك خصومات لا تبدأ بكلمة جارحة، ولا بموقف متعمد، ولا بخيانة عهد أو انكسار ثقة. بل تبدأ بصمتٍ قصير، أو تحيةٍ لم تُلقَ، أو نظرةٍ لم تلتقِ بنظرة أخرى.
لحظات عابرة لا تتجاوز ثواني معدودة، لكنها قد تمتد في أذهاننا أياماً، وربما سنوات؛ لأننا أحياناً لا نكتفي برؤية الموقف كما حدث، بل نُكمله بخيالنا، ونمنحه من التفسيرات ما لم يقصده صاحبه يوماً.
الممرات الضيقة وسيناريوهات الخيال
في بيئات العمل تحديداً، تتكرر هذه المشاهد كثيراً. زميل يمر بجانب زميله دون أن يُلقي السلام، وآخر ينشغل في طريقه إلى اجتماع عاجل، وثالث تبدو على وجهه علامات الشرود والإرهاق.
مواقف اعتيادية قد تمر على بعض الناس مرور الكرام، بينما تتحول عند آخرين إلى بداية قصة طويلة عنوانها:
- “لقد تغير عليّ”
- “لم يعد يحترمني”
- “أصبح يتجاهلني”
ومن هنا تبدأ الخصومة… لا في الواقع، بل في داخل النفس.
العجيب أن الإنسان قد يقضي ساعات طويلة يبني استنتاجات كاملة على موقف لم يستغرق سوى ثوانٍ. يفسر الصمت بأنه احتقار، والانشغال بأنه تكبر، وعدم السلام بأنه رسالة مقصودة. ثم يتعامل مع هذه التفسيرات على أنها حقائق لا تقبل النقاش، فيتغير أسلوبه، وتبرد مشاعره، وربما يرد الإساءة بإساءة لم تكن هناك إساءة تستدعيها من الأصل.
ما وراء الوجوه المجهدة
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: هل نعرف حقاً ما الذي كان يعيشه الطرف الآخر في تلك اللحظة؟
ربما كان يحمل في ذهنه خبراً أقلق أسرته، أو يفكر في والدٍ مريض، أو ابن ينتظر عملية جراحية، أو ضغوطاً مالية أثقلت كاهله، أو مهمة عاجلة يخشى أن يتأخر في إنجازها. وربما كان يعيش معركةً نفسية لا تظهر على ملامحه؛ لأن بعض الناس يتقنون إخفاء أوجاعهم أكثر مما يتقنون التعبير عنها.
نحن نرى التصرف, لكننا لا نرى الظروف التي صنعت ذلك التصرف.وهنا يكمن الفرق بين من يحسن الظن، ومن يطلق الأحكام. الأول يقول: “لعل له عذراً لا أعلمه”، أما الثاني فيقول: “أنا متأكد أنه يقصدني”. وبين الجملتين تتحدد جودة العلاقات الإنسانية.
كيف يحفر سوء الظن خنادق القطيعة؟
المؤسف أن سوء الظن لا يؤذي الطرف الآخر بقدر ما يؤذي صاحبه. فهو يملأ القلب بالتوتر، ويزرع في النفس مشاعر لا تستند إلى دليل، ويجعل الإنسان يعيش خصومات قد لا يكون لها وجود إلا في مخيلته.
والأسوأ من ذلك أنه يبدأ بمعاملة الآخرين بناءً على تلك الظنون، فتتغير نبرة صوته، وتختفي ابتسامته، ويصبح بارداً في تعامله، فيشعر الطرف الآخر بهذا التغير، ويستغرب سببه، ثم يبتعد بالفعل، فتتحقق النتيجة التي صنعها سوء الظن منذ البداية.
كم من علاقة زمالة انتهت، ليس بسبب إساءة حقيقية، بل بسبب تفسير خاطئ لموقف عابر.الـ 16 ساعة المتبقية
وبيئة العمل ليست المكان المناسب لتغذية هذه الظنون. فهي تجمع أشخاصاً من خلفيات مختلفة، وشخصيات متعددة، ولكل واحد منهم حياته الخاصة التي لا يراها الآخرون.
الموظف الذي يجلس إلى جوارك 8 ساعات في اليوم، لا تعرف ماذا يعيش في الـ 16 ساعة المتبقية. قد تراه هادئاً بينما يخوض حرباً داخلية، أو مبتسماً بينما يخفي ألماً كبيراً، أو صامتاً لأنه يخشى أن ينهار إن تحدث.
لهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يتحلى به الإنسان في عمله هو سعة الصدر. أن يمنح الناس فرصةً قبل أن يصدر عليهم حكماً، وأن يلتمس لهم الأعذار قبل أن يحمّلهم الاتهامات، وأن يتذكر دائماً أن ما يراه ليس الصورة الكاملة.زمالة مهنية.. لا صداقة إجبارية
ولنكن واقعيين؛ ليس المطلوب أن يصبح جميع زملاء العمل أصدقاء مقربين. فالحياة المهنية لا تقوم على ذلك، والاختلاف بين البشر سنة من سنن الحياة. قد تجد من ترتاح إليه، وقد تجد من تختلف معه في الطباع أو الاهتمامات، وهذا أمر طبيعي لا يعيب أحداً.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن لا يكون الشخص صديقك، وبين أن تجعله خصماً بسبب موقف لم تتأكد من حقيقته.
العمل مرحلة من مراحل الحياة، مهما طالت فإنها ستنتهي. ستتغير المكاتب، وستتبدل المناصب، وسينتقل كل واحد إلى طريقه. لكن ما سيبقى بعد ذلك هو الأثر الذي تركته في نفوس الناس. سيُذكر الإنسان بأخلاقه قبل إنجازاته، وبابتسامته قبل منصبه، وبكرم نفسه قبل عدد المشاريع التي أنجزها.
فما أجمل أن يرحل الإنسان من مكان عمله وقد ترك خلفه قلوباً تدعو له، لا صدوراً تضيق بذكره. وما أجمل أن يُعرف بأنه كان واسع الأفق، يلتمس الأعذار، ويختار الصفح، ولا يسمح لموقف عابر أن يهدم سنوات من الاحترام.شور أخير قبل إطلاق الحكم
قبل أن تفسر صمت زميلك على أنه تجاهل، امنحه احتمالاً آخر. وقبل أن تعتبر غياب السلام رسالةً موجهة إليك، تذكر أن الإنسان قد يغيب عن العالم كله وهو واقف بين الناس. وقبل أن تجعل من موقف صغير بداية قطيعة طويلة، اسأل نفسك: هل أملك دليلاً، أم أنني أبني حكماً على ظن؟
إن أكثر العلاقات التي تستحق أن تستمر، هي تلك التي لا تهزمها التفاصيل الصغيرة؛ لأن أصحابها أدركوا أن البشر ليسوا آلات تعمل بالمزاج نفسه كل يوم، وأن لكل إنسان أياماً تثقلها الهموم، وتسرق منها قدرتها على الانتباه.
وفي النهاية، ليس كل صمتٍ يحمل رسالة، وليس كل شرودٍ يعني تجاهلاً، وليس كل تحيةٍ غابت تعني أن المودة غابت معها. أحياناً تكون المشكلة ليست فيما فعله الآخرون، بل فيما أضافته مخيلتنا إلى أفعالهم.
فلنمنح الناس مساحةً من العذر قبل أن نمنح أنفسنا حق اللوم. فليس أخطر ما يهدد العلاقات كلمة قاسية، بل حكمٌ متسرع، يجعل من الصمت تهمة، ومن حسن النية ضحية.
